الشوكاني
78
فتح القدير
سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ويجوز أن يكون انتصاب - غير بعيد - على الحال . وقيل المعنى : أنها زينت قلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب ، فصارت قريبة من قلوبهم ، والأول أولى . والإشارة بقوله ( هذا ما توعدون ) إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى : هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ما توعدون ، والجملة بتقدير القول : أي ويقال لهم هذا ما توعدون . قرأ الجمهور " توعدون " بالفوقية . وقرأ ابن كثير بالتحتية ( لكل أواب حفيظ ) هو بدل من للمتقين بإعادة الخافض أو متعلق بقول محذوف هو حال : أي مقولا لهم لكل أواب ، والأواب الرجاع إلى الله تعالى بالتوبة عن المعصية ، وقيل هو المسبح ، وقيل هو الذاكر لله في الخلوة . قال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها . وقال عبيد بن عمير هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله فيه ، والحفيظ : هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها . وقال قتادة : هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته ، قاله مجاهد . وقيل هو الحافظ الأمر الله . وقال الضحاك : هو الحافظ لوصية الله له بالقبول ( من خشي الرحمن بالغيب ) الموصول في محل جر بدلا أو بيانا لكل أواب ، وقيل يجوز أن يكون بدلا بعد بدل من المتقين ، وفيه نظر لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد ، ويجوز أن يكون في محل رفع على الاستئناف والخبر ادخلوها بتقدير يقال لهم ادخلوها ، والخشية بالغيب أن يخاف الله ولم يكن رآه . وقال الضحاك والسدي : يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد . قال الحسن : إذا أرخى الستر وأغلق الباب ، وبالغيب متعلق بمحذوف هو حال أو صفة لمصدر خشي ( وجاء بقلب منيب ) أي راجع إلى الله مخلص لطاعته ، وقيل المنيب المقبل على الطاعة ، وقيل السليم ( ادخلوها ) هو بتقدير القول : أي يقال لهم ادخلوها ، والجمع باعتبار معنى من : أي ادخلوا الجنة ( بسلام ) أي بسلامة من العذاب ، وقيل بسلام من الله وملائكته ، وقيل بسلامة من زوال النعم ، وهو متعلق بمحذوف هو حال : أي ملتبسين بسلام ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى زمن ذلك اليوم كما قال أبو البقاء ، وخبره ( يوم الخلود ) وسماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له ، بل هو دائم أبدا ( لهم ما يشاءون فيها ) أي في الجنة ما تشتهى أنفسهم وتلذ أعينهم من فنون النعم وأنواع الخير ( ولدينا مزيد ) من النعم التي لم تخطر لهم على بال ولا مرت لهم في خيال . وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " نزل الله من ابن آدم أربع منازل : هو أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو يحول بين المرء وقلبه ، وهو آخذ بناصية كل دابة ، وهو معهم أينما كانوا " . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( من حبل الوريد ) قال : عروق العنق . وأخرج ابن المنذر عنه قال : هو نياط القلب . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ، في قوله ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) قال : يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت وشربت ذهبت جئت رأيت ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى سائره . فذلك قوله - يمحو الله ما يشاء ويثبت - . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال : إنما يكتب الخير والشر ، لا يكتب يا غلام أسرج الفرس يا غلام اسقني الماء . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " : إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم " . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي وأبو نعيم والبيهقي في الشعب عن عمرو بن ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله عند لسان كل قائل ، فليتق الله عبد ولينظر ما يقول " . وأخرج الحكيم والترمذي عن ابن عباس مرفوعا مثله . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى ، وابن مردويه والبيهقي في البعث ،